ندرة حادة في البطاطا.. والأسعار تقفز إلى 200 دينار!

تعيش أسواق الخضر والفواكه في عدد من ولايات الوطن على وقع ندرة حادة في مادة البطاطا، وسط اضطراب ملحوظ في عمليات التموين وتراجع الكميات المعروضة للبيع، في وضع انعكس مباشرة على الأسعار التي سجلت مستويات قياسية، متجاوزة بكثير الأسعار التي حددتها السلطات العمومية، لتصل إلى حدود 200 دينار للكيلوغرام الواحد لدى بعض باعة التجزئة خارج الأسواق المنظمة.
ولم تعد أزمة البطاطا تقتصر على ارتفاع الأسعار فحسب، بل امتدت إلى صعوبة العثور على هذه المادة الأساسية في عدد من المحلات والأسواق، حيث أصبح المواطنون يواجهون صعوبة في اقتنائها، بينما يجد التجار أنفسهم أمام إشكالية نقص العرض وارتفاع أسعار الشراء من أسواق الجملة.
وفي هذا السياق، تشير المعطيات المسجلة على مستوى بعض أسواق الجملة إلى بلوغ سعر الكيلوغرام الواحد نحو 150 دينارا، على غرار سوق خميس الخشنة بولاية بومرداس، وهو مستوى يعكس حجم الاختلال الذي تعرفه قنوات التموين والتوزيع. كما تتراوح الأسعار في بعض الولايات بين 160 و200 دينار للكيلوغرام في البيع بالتجزئة، حسب المناطق ونقاط البيع، ما يزيد من الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين.
تسقيف الأسعار لم ينجح في كبح الارتفاع
وتأتي هذه التطورات رغم الإجراءات التي أقرتها السلطات العمومية مطلع أكتوبر الماضي، والقاضية بتسقيف أسعار البطاطا الاستهلاكية، حيث حددت وزارة التجارة الداخلية السعر الأقصى للبيع بالجملة بـ80 دينارًا للكيلوغرام الواحد، فيما حدد السعر الأقصى للبيع بالتجزئة بـ90 دينارًا للكيلوغرام.
غير أن واقع الأسواق يكشف عن فجوة واسعة بين الأسعار المحددة إدارياً والأسعار المتداولة فعلياً، إذ أصبح بعض التجار يواجهون صعوبة في اقتناء البطاطا بأسعار تسمح لهم بإعادة بيعها وفق التسعيرة المحددة، الأمر الذي دفع عدداً منهم إلى تقليص نشاطهم في تسويق هذه المادة أو الامتناع عن اقتنائها تفادياً للخسارة.
وكانت تقارير إعلامية قد نقلت عن تجار ومتعاملين في القطاع أن أسعار الشراء من أسواق الجملة تجاوزت في بعض الحالات 100 دينار، ووصلت إلى 125 ديناراً للكيلوغرام، ما يجعل الالتزام بسعر التجزئة المحدد عند 90 ديناراً أمراً صعباً بالنسبة إلى التجار، في ظل غياب هامش ربح يغطي تكاليف النقل والتوزيع.
نقص الإمدادات يفاقم الأزمة في عدة ولايات
وتبرز ولاية عنابة ضمن المناطق التي سجلت اضطرابات واضحة في التموين، حيث شهدت أسواقها ندرة متزايدة في البطاطا، مع تسجيل أسعار تراوحت بين 150 و180 ديناراً للكيلوغرام الواحد.
وحسب تقارير محلية نشرت يوم 6 نوفمبر الجاري، فقد عرف سوق الجملة بسارويل تراجعاً كبيراً في الكميات الواصلة، إذ لم يتجاوز عدد الشاحنات المحملة بالبطاطا، وفق إفادات نقلها تجار، خمس شاحنات في أحد الأيام، وهي كميات لم تكن كافية لتلبية احتياجات التجار والطلب المسجل.
كما امتدت مظاهر الندرة إلى أسواق التجزئة، وخاصة سوق الحطاب، حيث أصبحت بعض المحلات عاجزة عن تجديد مخزونها بعد نفاد الكميات المتوفرة لديها.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمجرد ارتفاع ظرفي للأسعار، بل أصبحت تعكس اضطراباً في سلسلة التموين، من مرحلة الإنتاج والتجميع وصولاً إلى أسواق الجملة ونقاط البيع بالتجزئة.
تفريغ المخزونات لمواجهة الندرة
وأمام تصاعد التوتر في الأسواق، شرعت السلطات في عمليات لتفريغ مخزونات البطاطا الموجودة بغرف التبريد، بهدف تعزيز العرض وإعادة التوازن إلى السوق الوطنية.
وفي هذا الإطار، أُعلن عن إطلاق عمليات تفريغ للمخزونات على مستوى ولايات عين الدفلى والمدية وبومرداس والبويرة، في خطوة تستهدف توفير كميات إضافية من البطاطا ومواجهة النقص المسجل في التموين.
وتراهن السلطات على هذه العملية لزيادة الكميات المعروضة في الأسواق، والحد من المضاربة والارتفاع غير المبرر للأسعار، خاصة أن المخزونات الاستراتيجية يفترض أن تلعب دوراً أساسياً في ضمان استمرارية التموين خلال الفترات الانتقالية بين مواسم الإنتاج.
بين تراجع العرض والمضاربة.. ما أسباب الأزمة؟
وتتعدد التفسيرات المطروحة بشأن أسباب الندرة الحالية، بين الحديث عن تراجع الكميات المنتجة والموجهة إلى الأسواق، واختلال عمليات التوزيع، فضلاً عن دور الوسطاء وغرف التبريد في تنظيم تدفق المنتج نحو أسواق الجملة.
كما يطرح التجار إشكالية الفارق بين أسعار الشراء الحقيقية والأسعار المسقفة، معتبرين أن فرض سعر بيع لا يتماشى مع تكاليف اقتناء السلعة قد يدفع بعض المتعاملين إلى العزوف عن تسويقها، وهو ما يساهم في تقليص العرض المتاح للمستهلك.
وفي المقابل، تثير الأسعار المسجلة تساؤلات بشأن مدى احترام قواعد المنافسة والشفافية في مختلف مراحل التسويق، وحقيقة الكميات المتوفرة في المخازن، فضلاً عن ضرورة تشديد الرقابة على مسارات توزيع هذه المادة واسعة الاستهلاك.
وبين ندرة العرض وارتفاع الأسعار، يبقى المواطن الجزائري المتضرر الأكبر من هذه الوضعية، خاصة أن البطاطا تعد من المواد الأساسية التي لا تكاد تغيب عن المائدة اليومية للأسر.
فبعد أن كانت من أكثر الخضروات استهلاكاً وقدرة على تعويض ارتفاع أسعار مواد غذائية أخرى، أصبحت اليوم تشكل عبئاً إضافياً على ميزانية العائلات، خصوصاً مع وصول سعرها إلى 200 دينار للكيلوغرام في بعض نقاط البيع خارج الأسواق.
وتضع هذه الأزمة السلطات المعنية أمام تحدي ضمان وفرة المنتج قبل الاكتفاء بمراقبة الأسعار، من خلال تسريع عمليات تفريغ المخزونات، ومتابعة مسارات التموين، وضمان وصول الكميات المتاحة إلى أسواق الجملة والتجزئة بأسعار متوازنة.
وفي انتظار تحسن الإمدادات وعودة الاستقرار إلى السوق، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح عمليات تفريغ مخزونات البطاطا في إنهاء أزمة الندرة وخفض الأسعار، أم أن اختلالات التموين والتوزيع ستواصل إبقاء هذه المادة الأساسية خارج متناول شريحة واسعة من المستهلكين؟.




