الرئيس تبون: قد نصل إلى إنتاج سيارة جزائرية مع نهاية سنة 2028

لقاء تبون بالمتعاملين الاقتصاديين

أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن سنة 2027 ستكون محطة محورية في مسار التحول الاقتصادي الذي تشهده الجزائر، من خلال تعزيز الإنتاج الوطني، ورفع الصادرات خارج المحروقات، وتقليص الواردات، مع الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة. وشدد على أن بناء اقتصاد قوي ومستدام يتطلب تضافر جهود السلطات العمومية والمتعاملين الاقتصاديين، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار والإنتاج وخلق الثروة ومناصب الشغل.

وجاءت تصريحات الرئيس تبون خلال إشرافه، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، على اللقاء الوطني مع المتعاملين الاقتصاديين بالمركز الدولي للمؤتمرات «عبد اللطيف رحال» في الجزائر العاصمة. وقد استقطبت مخرجات اللقاء اهتماما وطنيا ودوليا، بالنظر إلى ما تضمنته من مؤشرات وتوجهات بشأن المرحلة المقبلة للاقتصاد الوطني.

وشهد افتتاح اللقاء عرض فيلم وثائقي أعده المجلس حول النشاط الاقتصادي الوطني خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2026، تناول التطور المسجل في عدد من القطاعات والتحسينات المرتبطة بمناخ الأعمال.

2027 محطة مفصلية في التحول الاقتصادي

وأوضح الرئيس تبون أن الجزائر تعمل على الانتقال من اقتصاد مسير إلى اقتصاد حر، مشيرا إلى أن القطاع الخاص يشكل أكثر من 85 بالمائة من تركيبة الاقتصاد الوطني. وأكد أن هذا التحول ينبغي أن يتم تدريجيا وبسلاسة، بعيدا عن الهزات والاختلالات التي عرفتها دول أخرى خلال انتقالها إلى أنماط اقتصادية جديدة، مع الحرص على حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

واستعاد رئيس الجمهورية وضع الاقتصاد قبل سنة 2019، حين كانت القطاعات تفتقر إلى التكامل فيما بينها، وكانت الصناعة التحويلية محدودة، فيما اتجهت البلاد بشكل واسع نحو الاستيراد.

وقال إن المؤشرات الحالية تعكس تغيرا ملحوظا وتعافيا للاقتصاد الوطني، مذكرا بأن الجزائر أصبحت ثالث اقتصاد في إفريقيا، ومؤكدا مواصلة معالجة النقائص ومراجعة الواردات بطريقة منظمة. كما شدد على ضرورة توجيه الموارد نحو النشاط المنتج، ومواجهة الممارسات الطفيلية التي تستنزف العملة الصعبة من دون أن تقدم قيمة مضافة للاقتصاد، مع تشجيع المتعاملين الاقتصاديين النزهاء.

وشدد الرئيس تبون على أن الاعتماد على الأرقام الدقيقة والمؤشرات الملموسة شرط لتقييم الأداء الاقتصادي وتحديد الأولويات، مؤكدا في الوقت نفسه أن الدولة لن تتخلى عن دورها الاجتماعي.

وأوضح أن قانون العرض والطلب لا يمكن أن يكون الآلية الوحيدة في القطاعات ذات الأثر الاجتماعي، حيث يتعين على الدولة التدخل لحماية المواطنين وضمان التوازن بين متطلبات السوق والقدرة الشرائية.

تقليص الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي

وفي عرضه للمؤشرات التجارية، كشف رئيس الجمهورية أن قيمة الواردات تراجعت إلى ما بين 40 و42 مليار دولار، بعدما كانت في حدود 62 مليار دولار، معتبرا أن هذا الانخفاض يعكس تنامي الإنتاج المحلي. وأكد أن الهدف ليس حرمان المتعاملين من الاستيراد، بل حصره في الاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني، بالتوازي مع توسيع قاعدة الإنتاج وتقليص الاعتماد على الخارج.

وأشار إلى أن الجزائر توقفت خلال السنوات الأخيرة عن استيراد البنزين والكيروسين المستخدم وقودا للطائرات، وأنها تتجه إلى وقف استيراد المازوت نهائيا عند دخول مصفاة حاسي مسعود الجديدة حيز الإنتاج سنة 2027. واعتبر أن تطوير قدرات التكرير والإنتاج المحلي من شأنه تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الطاقوي.

وفي قطاع الصناعات الصيدلانية، أفاد تبون بأن الإنتاج الوطني يغطي حاليا 84 بالمائة من احتياجات البلاد من الأدوية، بما في ذلك أدوية معقدة موجهة لمرضى السكري والسرطان، بعدما كان معدل الإنتاج يتراوح في السابق بين 9 و10 بالمائة. ويعكس هذا التطور، وفق ما أورده، توسع القدرات الوطنية في مجال كان يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.

الصناعة والفلاحة رافعتان للنمو

وبشأن الصناعة، ذكر رئيس الجمهورية أن مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الخام ارتفعت بنسبة 10 بالمائة خلال سنة 2026، مشيرا إلى استمرار فتح المصانع وتوسع إنتاج سلع كانت الجزائر تستوردها سابقا، إلى جانب تسجيل خطوات في اتجاه تعزيز التصنيع والتصدير.

كما أشار إلى أن قطاع الفلاحة يساهم بنحو 15 بالمائة في الناتج الداخلي الخام، بالتوازي مع استثمارات خاصة في إنتاج الزيت والسكر، والعمل على تحقيق الاكتفاء في الحبوب ومواد أخرى مع نهاية سنة 2027. وربط تبون بين تطوير الإنتاج الزراعي والصناعات التحويلية وبين تقليص فاتورة الواردات وتوفير احتياجات السوق الوطنية من الإنتاج المحلي.

وفي مجال صناعة السيارات، قال الرئيس تبون إن الجزائر قد تصل إلى إنتاج سيارة جزائرية مع نهاية سنة 2028، إذا سارت الشراكات المخطط لها مع المتعاملين الألمان والإيطاليين وفق الأهداف المحددة. وأوضح أن الرهان يتمثل في تطوير صناعة حقيقية تشمل مكونات أساسية، من بينها المحرك وعلبة السرعة والعجلات، وليس الاكتفاء بعمليات تركيب محدودة. وربط هذا التوجه بالمشاريع المنجزة وبناء قاعدة صناعية صلبة، معتبرا أن توسيع الاستثمار المنتج هو السبيل لترسيخ النمو الاقتصادي وتقليص التبعية للخارج.

لقاء تبون بالمتعاملين الاقتصاديين

13 ألف مشروع استثماري وتسهيلات جديدة

وفي ملف الاستثمار، نوّه رئيس الجمهورية بالخطوات التي تحققت بعد مراجعة المنظومة القانونية وتوفير قدر أكبر من المرونة أمام المستثمرين، كاشفا عن وجود 13 ألف مشروع استثماري وصفها بالحقيقية، ومن المنتظر أن تسهم في خلق عدد معتبر من مناصب الشغل.

كما أبرز أهمية الشباك الوحيد الوطني للاستثمار، الذي وصفه بالتجربة الرائدة لاستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، بالنظر إلى الصلاحيات المخولة له في معالجة الملفات والقرارات المرتبطة بالاستثمار. وأوضح أن النظام الجديد للشباك سيدخل حيز الخدمة في الأول من يناير 2027، بالتزامن مع دخول قانون المالية للسنة نفسها حيز التنفيذ.

ودعا تبون المتعاملين الاقتصاديين إلى مضاعفة الجهود لرفع الصادرات خارج المحروقات والاستفادة من التسهيلات التي توفرها الدولة للمستثمرين، مؤكدا أن العلاقة بين الدولة والمؤسسات تقوم على الشراكة، وأن نجاح السياسات الاقتصادية يستلزم انخراط الجميع في تطوير الإنتاج وتحسين تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.

ضبط الأسعار وحماية القدرة الشرائية

وتطرق رئيس الجمهورية إلى التذبذب المسجل في أسعار بعض المواد الاستهلاكية، لا سيما الخضر والفواكه، داعيا إلى الابتعاد عن الجشع ومراعاة أوضاع المواطنين، خصوصا الفئات الهشة والطبقة الوسطى. وشدد على ضرورة متابعة الإنتاج والتموين بصورة منتظمة، والإسراع في إنشاء هيئة اقتصادية تتولى تنظيم التموين عبر التخزين وشراء فائض الإنتاج من الفلاحين والمنتجين، بما يساعد على الحد من الاختلالات في السوق.

وأكد تبون أن حماية القدرة الشرائية تظل جزءا من التوازن الذي تسعى الدولة إلى الحفاظ عليه خلال التحول الاقتصادي، موضحا أن التعاون بين المنتجين والمتعاملين والسلطات العمومية ضروري لتفادي الاضطرابات وضمان وصول المنتجات إلى المستهلكين في ظروف أفضل.

رفع الصادرات إلى 30 مليار دولار بحلول 2030

وبخصوص آفاق الصادرات، أكد رئيس الجمهورية أن الجزائر تسعى إلى بلوغ 30 مليار دولار في أفق سنة 2030، معولا على مشاريع إنتاجية وتعدينية قيد الإنجاز، من بينها مشاريع الفوسفات المدمج والأسمدة والزنك. كما أشار إلى أهمية استكمال الربط بالطريق العابر للصحراء، لما ينتظر أن يوفره من حركية اقتصادية وتجارية بين الجزائر ودول الجوار، خصوصا تشاد والنيجر ومالي.

وفي رده على التقديرات المتشائمة بشأن تطور احتياطي الصرف، أكد تبون أن الجزائر تمتلك إمكانات لإنتاج جزء أكبر من احتياجاتها، في ظل تقلص قيمة الواردات وارتفاع الصادرات. ودعا وزير المالية إلى التواصل مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمراجعة المعطيات التي تستند إليها التقديرات المتعلقة بالاقتصاد الجزائري، مشددا على ضرورة اعتماد الأرقام الصحيحة والمؤشرات الدقيقة في تقييم الوضع الاقتصادي.

واختتم رئيس الجمهورية بالتأكيد على أن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق بجهد جهة واحدة، بل يتطلب مشاركة المؤسسات والمتعاملين الاقتصاديين والقطاعات المنتجة، مع مواصلة الاستثمار ورفع الإنتاج والصادرات، دون التفريط في الدور الاجتماعي للدولة. واعتبر أن سنة 2027 ستكون اختبارا محوريا لترسيخ هذا المسار وتحويل المؤشرات الإيجابية إلى نتائج ملموسة على مستوى الاقتصاد والمواطن.


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى