مشروع قانون المالية 2027: ميزانية ضخمة ورهان على تنويع الاقتصاد وتعزيز الاستثمار والحفاظ على القدرة الشرائية

ميناء الجزائر

تراهن الجزائر، من خلال مشروع قانون المالية لسنة 2027، على مواصلة دعم النمو الاقتصادي، وتوسيع الإيرادات خارج المحروقات، وتعزيز الاستثمار المنتج، بالتوازي مع الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي.

ويأتي المشروع، الذي أعدته وزارة المالية في أكتوبر 2026، في ظرف دولي يتسم باستمرار التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وهي عوامل تضع التوازنات المالية للبلاد أمام تحديات تتطلب تنويع مصادر التمويل وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية.

وتكشف الأرقام الواردة في تقرير عرض المشروع، إلى جانب الأحكام التفصيلية الواردة في نصه، عن توجه نحو رفع الإيرادات العمومية وتوسيع الوعاء الجبائي، مع الإبقاء على مستوى مرتفع من الإنفاق الحكومي لتمويل التزامات الدولة وبرامجها. كما تتضمن الوثيقتان حزمة من التدابير الجبائية والجمركية والإدارية الرامية إلى تشجيع الاستثمار، وتحسين مناخ الأعمال، وتحديث الإدارة، وتعزيز الشفافية ومكافحة الغش والتهرب الجبائيين.

نمو اقتصادي متوقع يتجاوز 4 بالمائة خلال 2027

تتوقع الحكومة أن يواصل الاقتصاد الجزائري مساره الإيجابي خلال السنوات المقبلة، مدفوعا بالأداء المنتظر للقطاعات خارج المحروقات، إلى جانب تطور نشاط قطاع الطاقة. ووفقا لفرضيات التأطير الاقتصادي والميزانياتي الواردة في تقرير العرض، يرتقب أن يبلغ نمو الناتج الداخلي الخام 4.2 بالمائة سنة 2027، قبل أن يستقر عند 4.1 بالمائة سنة 2028، ثم يتسارع إلى 4.7 بالمائة سنة 2029.

وتستند هذه التوقعات إلى النتائج المسجلة خلال سنة 2025، عندما حقق الاقتصاد الوطني نموا قدره 4 بالمائة، رغم انكماش قطاع المحروقات بنسبة 1.2 بالمائة. وقد ساهمت القطاعات خارج المحروقات في دعم هذا الأداء، إذ سجلت الصناعة نموا بنسبة 5.1 بالمائة، والخدمات 4.5 بالمائة، والفلاحة والغابات والصيد البحري 4.3 بالمائة، فيما بلغ نمو قطاع البناء 3.6 بالمائة.

أما بالنسبة إلى سنة 2026، فيتوقع التقرير أن يصل معدل النمو الاقتصادي إلى 4.3 بالمائة، مدعوما بنمو القطاعات خارج المحروقات بنسبة 4.8 بالمائة، مقابل نمو مرتقب لقطاع المحروقات في حدود 1 بالمائة. كما ينتظر أن يرتفع الناتج الداخلي الخام الاسمي إلى 48.723,2 مليار دينار، مقارنة بـ43.384,7 مليار دينار سنة 2025.

وتعكس هذه المؤشرات أهمية استمرار الديناميكية المسجلة في القطاعات الإنتاجية والخدماتية، غير أن تحقيق التوقعات للفترة الممتدة بين 2027 و2029 سيظل مرتبطا بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل النمو المسجل إلى توسع مستدام في الإنتاج والاستثمار والصادرات، مع تقليص الاعتماد على تقلبات الأسواق الدولية للمحروقات.

إيرادات بأكثر من 9.251 مليار دينار مقابل نفقات تتجاوز 17.882 مليار دينار

تتوقع الحكومة أن تبلغ إيرادات ميزانية الدولة لسنة 2027 نحو 9.251,1 مليار دينار، مقابل 8.611,1 مليار دينار وفق توقعات إغلاق سنة 2026، أي بزيادة تقارب 7.4 بالمائة.

وتستند هذه الزيادة إلى ارتفاع الإيرادات الجبائية، بما فيها الجباية البترولية، إلى جانب الإيرادات الأخرى المتأتية من مختلف الأنشطة والموارد العمومية. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، ينتظر أن تبلغ الجباية البترولية 2.652,3 مليار دينار سنة 2027، بينما تقدر الإيرادات خارج الجباية البترولية بنحو 6.598,8 مليار دينار، من بينها 5.282,3 مليار دينار من الإيرادات الجبائية.

وتبرز هذه الأرقام استمرار أهمية الموارد المرتبطة بالمحروقات في تمويل الميزانية، رغم المساعي الرامية إلى توسيع مساهمة الأنشطة الاقتصادية الأخرى في الإيرادات العمومية. كما تكشف عن رهان متزايد على تحسين التحصيل الجبائي، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز الامتثال، بهدف رفع الموارد دون الاقتصار على العائدات النفطية.

في المقابل، تقدر نفقات الميزانية لسنة 2027 بنحو 17.882,6 مليار دينار، مقابل 17.636,7 مليار دينار في توقعات إغلاق سنة 2026، وفق اعتمادات الدفع الواردة في التقرير. كما يحدد نص المشروع سقف رخص الالتزام عند 17.251,6 مليار دينار، وهي اعتمادات تختلف في طبيعتها عن اعتمادات الدفع، إذ ترتبط الأولى بالالتزامات التي يمكن للدولة التعهد بها، بينما تتعلق الثانية بالنفقات التي يسمح بتسديدها.

ويعكس استمرار الإنفاق عند مستويات مرتفعة حرص السلطات العمومية على تمويل الخدمات والمرافق العمومية، وتغطية نفقات المستخدمين، ومواصلة البرامج الاستثمارية، إلى جانب الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية للدولة.

غير أن اتساع الفارق بين الإيرادات والنفقات يبرز حجم الضغط الذي تواجهه الميزانية، ويجعل تحسين مردودية الإنفاق وتعبئة الموارد غير البترولية من أبرز التحديات المطروحة. كما أن قراءة التوازنات المالية تقتضي التمييز بين مختلف المؤشرات الميزانياتية، ولا سيما رخص الالتزام واعتمادات الدفع والإيرادات، وعدم التعامل معها باعتبارها قيما متطابقة من حيث طبيعتها المحاسبية.

المحروقات تظل عاملا حاسما في التوازنات المالية

تحتل فرضيات أسعار النفط والغاز مكانة أساسية في إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، بالنظر إلى تأثيرها المباشر في الإيرادات العمومية والتوازنات الاقتصادية. وقد اعتمدت الحكومة سعرا مرجعيا جبائيا للنفط الخام قدره 60 دولارا للبرميل، وسعر سوق يبلغ 70 دولارا للبرميل، مع افتراض استقرار سعر صرف الدينار عند 131 دينارا مقابل الدولار الواحد خلال فترة التوقعات.

وتكتسي هذه الفرضيات أهمية خاصة في ظل التقلبات التي شهدتها أسواق الطاقة خلال سنة 2026، نتيجة التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي مست تدفقات الطاقة والتجارة الدولية. ويشير تقرير العرض إلى أن متوسط سعر النفط ارتفع خلال بعض فترات السنة إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، قبل أن يتراجع لاحقا، ما يؤكد صعوبة بناء التوقعات المالية على الأسعار المرتفعة وحدها.

كما تتوقع الحكومة تراجعا تدريجيا في كميات صادرات المحروقات خلال سنتي 2027 و2028، قبل أن تستعيد منحاها التصاعدي سنة 2029. وتقدر هذه الكميات بنحو 88.4 مليون طن مكافئ نفط سنة 2027، و83.2 مليون طن سنة 2028، ثم 87.9 مليون طن سنة 2029.

ويعني ذلك أن تطور الإيرادات البترولية لن يرتبط بأسعار التصدير فقط، بل كذلك بالكميات المصدرة ومستويات الإنتاج والاستهلاك المحلي. ومن ثم، فإن أي تراجع في الأسعار أو الصادرات قد ينعكس على الموارد المتاحة لتمويل النفقات العمومية، وهو ما يعزز أهمية تطوير مصادر دخل أكثر استقرارا خارج قطاع المحروقات.

تنويع الاقتصاد وتوسيع القاعدة الإنتاجية

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 تشجيع الاستثمار المنتج وتعزيز تنويع الاقتصاد ضمن محاوره الأساسية، في سياق تسعى فيه السلطات إلى دعم القطاعات القادرة على خلق القيمة المضافة ومناصب الشغل، وتوسيع قاعدة الصادرات خارج المحروقات.

وفي هذا الإطار، يتضمن المشروع تدابير تتعلق بإعادة تنظيم الإطار المؤسسي المكلف بالاستثمار، من خلال تكريس أدوار الهيئات المعنية بترقيته ومرافقته، بما يشمل الوكالة الوطنية لترقية الاستثمار، والمجلس الوطني للاستثمار، والشباك الوحيد للاستثمار.

ويستهدف هذا التوجه تحسين التنسيق بين الهيئات المكلفة بالاستثمار، وتسهيل الإجراءات المرتبطة بإطلاق المشاريع ومتابعتها، بما يسمح بتقليص العراقيل الإدارية وتعزيز وضوح المسار الذي يسلكه المستثمر.

كما تشمل التدابير المقترحة أحكاما جبائية وجمركية مرتبطة ببعض عمليات الاستيراد والخدمات والمعدات، بما في ذلك إعفاءات وتخفيضات تستهدف أنشطة محددة، من بينها بعض المدخلات الموجهة للإنتاج الصناعي والأنشطة الاستثمارية. وتندرج هذه الأحكام ضمن محاولة توجيه الامتيازات نحو أنشطة اقتصادية محددة، مع مراعاة الشروط التي يحددها التشريع.

وتتوقف فعالية هذه التدابير على قدرتها على تحفيز الاستثمار الفعلي، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين تنافسية المؤسسات، بدلا من اقتصار أثرها على تخفيف الأعباء الإدارية أو الجبائية. كما يرتبط نجاح سياسة التنويع بمدى قدرة المشاريع الجديدة على خلق قيمة مضافة مستدامة، وتوسيع الصادرات، وتقليص الاعتماد على الواردات.

القطاعات الإنتاجية في صلب التوقعات الاقتصادية

تمنح التوقعات الاقتصادية للفترة 2027-2029 أهمية لعدد من القطاعات التي ينتظر أن تسهم في دعم النمو الوطني، وعلى رأسها البناء وإنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز، إلى جانب الأنشطة الصناعية والخدماتية.

ويتوقع التقرير أن يحقق قطاع البناء متوسط نمو سنوي قدره 5.3 بالمائة خلال الفترة المذكورة، مدعوما بانتعاش الاستثمار العام والخاص وتطوير البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية، بما يشمل توسيع شبكات النقل ومشاريع السكك الحديدية.

كما ينتظر أن يسجل قطاع إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز متوسط نمو سنوي يبلغ 5.6 بالمائة، مع ارتفاع الإنتاج الوطني للكهرباء من 110.395 جيغاواط ساعة سنة 2027 إلى 122.617 جيغاواط ساعة سنة 2029، وفق توقعات التقرير.

وتعكس هذه التقديرات أهمية البنية التحتية والطاقة في مرافقة التوسع الاقتصادي، سواء من خلال تلبية الطلب الداخلي أو توفير الظروف اللازمة لنمو الأنشطة الصناعية والخدماتية. غير أن ترجمة هذه التوقعات إلى نتائج فعلية تتطلب تنفيذ المشاريع في آجالها، وضمان كفاءة الاستثمارات العمومية، وتحسين مساهمة القطاع الخاص في تمويل النشاط الإنتاجي.

القدرة الشرائية والالتزامات الاجتماعية للدولة

لا يقتصر مشروع قانون المالية لسنة 2027 على الجوانب المرتبطة بالإيرادات والاستثمار، بل يضع الحفاظ على القدرة الشرائية وتحسين الإطار المعيشي للمواطن وتشجيع التضامن الوطني ضمن محاوره الأساسية.

ويأتي هذا التوجه في ظل توقعات بارتفاع معدل التضخم إلى 4.7 بالمائة سنة 2026، مقابل 4.1 بالمائة سنة 2025، قبل أن يتباطأ إلى 3.9 بالمائة سنة 2027، وفق تقديرات التقرير. ويربط العرض هذا التطور، خصوصا، بالارتفاع المتوقع في أسعار الطاقة والمواد الغذائية.

وتبرز هذه المعطيات أهمية السياسات التي تستهدف الحد من أثر ارتفاع الأسعار على الأسر، والحفاظ على استمرارية الخدمات العمومية، وضمان تمويل البرامج الاجتماعية. كما أن استقرار الأسعار يظل عاملا مؤثرا في مستوى الاستهلاك الداخلي وفي قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.

ويخصص المشروع حيزا لتشجيع التضامن الوطني، ويتضمن تدابير جبائية مرتبطة بالتبرعات والإعانات، من بينها تعديل حد خصم بعض التبرعات والإعانات في حدود نسبة 1 بالمائة من رقم الأعمال، بدلا من السقف السابق المحدد بمبلغ ثابت قدره أربعة ملايين دينار، بحسب ما ورد في تقرير العرض.

ويستهدف هذا التدبير تعديل القاعدة المعتمدة لاحتساب الخصم، بما يربط الحد الأقصى بحجم نشاط المؤسسة. غير أن أثره العملي سيظل مرتبطا بكيفيات تطبيق الأحكام الجديدة ومدى استجابة المؤسسات والهيئات المعنية لها.

وفي هذا السياق، لا يمكن تقييم الأثر الاجتماعي للمشروع بالاستناد إلى حجم النفقات وحده، بل يتطلب الأمر النظر كذلك في تطور الأسعار، وجودة الخدمات العمومية، ومدى وصول البرامج الاجتماعية إلى الفئات المستفيدة، فضلا عن قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل ومداخيل مستدامة.

إصلاحات جبائية لتوسيع الوعاء وتحسين التحصيل

يشكل توسيع الوعاء الجبائي وتعزيز تعبئة الموارد أحد المحاور الرئيسية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، في ظل سعي الحكومة إلى زيادة الإيرادات خارج الجباية البترولية وتحسين مردودية النظام الجبائي.

ويتضمن النص تعديلات على أحكام متعلقة بالضرائب المباشرة والرسوم المماثلة، إلى جانب تدابير تهدف إلى توضيح بعض القواعد الجبائية وتوحيد تطبيقها. ومن بين هذه الأحكام، النص على إخضاع كل مؤسسة يستغلها المكلف بالضريبة بصورة مستقلة، حتى عندما يدير عدة مؤسسات في الوقت نفسه، مع تقديم التصريح الخاص بكل مؤسسة مستغلة.

ويستهدف هذا التعديل إزالة الغموض بشأن كيفية إخضاع المؤسسات المتعددة للضريبة، وتعزيز الانسجام بين قواعد تحديد الوعاء الجبائي وإجراءات التحصيل، بما يسمح بتوضيح الالتزامات المفروضة على المكلفين بالضريبة.

كما يتضمن المشروع تعديلات تتعلق بالإحالات القانونية الواردة في بعض مواد التشريع الجبائي، وتحيين أحكام أصبحت غير متوافقة مع النصوص المعمول بها، إلى جانب تدابير تخص المعالجة الجبائية لبعض نفقات التنقيب والاستكشاف المنجمي ومؤونات إعادة تأهيل المواقع المنجمية.

وتسمح الأحكام المقترحة، وفق شروط محددة، بخصم مصاريف التنقيب والاستكشاف المنجمي المصادق عليها مسبقا، إما بعنوان السنة المالية التي تحملت خلالها أو على أقساط سنوية متساوية على مدى عشر سنوات مالية، ابتداء من السنة الأولى لاستغلال المنجم أو المقلع، مع مراعاة المدة التقديرية للاستغلال في الحالات المنصوص عليها.

وتندرج هذه التعديلات في إطار محاولة تكييف القواعد الجبائية مع طبيعة الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وتحسين وضوح الأحكام القانونية، وتوفير إطار أكثر اتساقا للمؤسسات والمستثمرين.

الرقمنة وتحديث الإدارة ومكافحة التهرب الجبائي

يرتبط تحسين تعبئة الموارد العمومية، وفق التوجهات الواردة في تقرير العرض، بتبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة عصرنة الإدارة، إلى جانب تعزيز الامتثال الجبائي والشفافية ومكافحة الغش والتهرب.

وتكتسي هذه المحاور أهمية خاصة في ظل سعي السلطات إلى رفع الإيرادات الجبائية خارج المحروقات، إذ لا يقتصر توسيع الوعاء الجبائي على تعديل نسب الضرائب أو استحداث أحكام جديدة، بل يشمل أيضا تحسين قدرة الإدارة على متابعة النشاط الاقتصادي، وضمان التصريح الصحيح بالمداخيل، والحد من الممارسات التي تؤدي إلى ضياع الموارد.

كما أن تبسيط الإجراءات الإدارية والجبائية يمكن أن يساهم في تخفيف الأعباء التي تواجه المؤسسات والمستثمرين، شرط أن يقترن بتوضيح القواعد القانونية، وتحسين جودة الخدمات، وتقليص آجال معالجة الملفات.

ويعتمد الأثر الفعلي لهذه التدابير على كيفية تنفيذها، ومدى تطور أدوات الرقابة والتحصيل، وقدرة الإدارة على تحقيق التوازن بين تسهيل الامتثال للمكلفين بالضريبة ومكافحة المخالفات.

تدابير جمركية ومراجعة بعض الأحكام المتعلقة بالموارد

يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 كذلك تدابير جمركية وأحكاما أخرى متعلقة بالموارد العمومية وأملاك الدولة وحسابات التخصيص الخاص، بما يعكس اتساع نطاق الإصلاحات المقترحة وعدم اقتصارها على الضرائب المباشرة.

وتشمل التدابير الجمركية أحكاما تتعلق بالإعفاءات والتخفيضات المرتبطة بعمليات استيراد محددة، وفق طبيعة النشاط وشروط الاستفادة المنصوص عليها. كما تتناول بعض الأحكام تخصيص موارد معينة لتمويل أنشطة وقطاعات محددة، في إطار القواعد التي ينظمها التشريع المالي.

ويهدف هذا المسار إلى تحسين إدارة الموارد وتوضيح كيفية تخصيصها، غير أن تقييم نتائجه يقتضي متابعة أثر التدابير على حصيلة الإيرادات، وتكاليف الامتثال، وتنافسية المؤسسات، ومدى مساهمتها في دعم الإنتاج المحلي.

بين توسيع الإنفاق.. وضرورة تعزيز الموارد المستدامة

تكشف الأرقام والتدابير الواردة في وثيقتي مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن معادلة مالية تقوم على استمرار الإنفاق العمومي لدعم النشاط الاقتصادي والالتزامات الاجتماعية، مقابل السعي إلى رفع الإيرادات وتحسين التحصيل الجبائي وتنويع مصادر التمويل.

فمن جهة، تمنح توقعات النمو الاقتصادي مساحة لمواصلة الاستثمار في البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، كما تسمح الإيرادات المتوقعة بتمويل جزء من الالتزامات العمومية.

ومن جهة أخرى، تظل حساسية الميزانية لتقلبات أسواق المحروقات عاملا مؤثرا في استدامة التوازنات المالية، خصوصا في ظل توقع تراجع كميات الصادرات خلال جزء من فترة التأطير.

وتبرز أهمية تنويع الاقتصاد في هذا السياق باعتباره مسارا يتجاوز مجرد زيادة الإيرادات الجبائية، ليشمل توسيع الإنتاج الوطني، وتحسين تنافسية المؤسسات، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج الداخلي الخام والصادرات ومناصب الشغل.

ومن هذا المنطلق، يطرح مشروع قانون المالية لسنة 2027 تصورا لمواصلة النمو الاقتصادي وتعزيز الاستثمار المنتج وتوسيع الموارد العمومية، مع الحفاظ على دور الدولة في تمويل البرامج الاجتماعية والخدمات العمومية. وتبرز الأرقام توقعات بنمو اقتصادي يصل إلى 4.2 بالمائة سنة 2027، وإيرادات ميزانية تقدر بأكثر من 9.251 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 17.882 مليار دينار وفق اعتمادات الدفع.

لكن تحقيق الأهداف المسطرة سيظل مرتبطا بمدى تنفيذ المشاريع الاستثمارية، وتحسن أداء القطاعات خارج المحروقات، وفعالية الإصلاحات الجبائية والإدارية، وقدرة الاقتصاد الوطني على التعامل مع تقلبات الأسواق الدولية. وبذلك، لا تكمن أهمية المشروع في حجم الاعتمادات المالية وحده، بل في النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي ستتحقق من خلال توجيه هذه الموارد وتحسين مردوديتها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى