بعد أكثر من 20 سنة من الانتظار.. البرلمان يتحرك لتجريم الاستعمار الفرنسي

بوغالي: استعمار الجزائر جريمة دولة تتحمل فرنسا مسؤوليته القانونية والأخلاقية

إبراهيم بوغالي

أكد رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي، أن اقتراح القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي يشكل فعلًا سياديًا وموقفًا أخلاقيًا صريحًا، ورسالة سياسية واضحة تعبّر عن تمسك الجزائر بحقها غير القابل للتصرف، ووفائها لتضحيات شعبها ورسالة شهدائها.

وأوضح بوغالي، خلال جلسة عامة خُصصت لتقديم اقتراح القانون، أن هذه المبادرة التشريعية تتجاوز بعدها الإجرائي، لتُجسد لحظة وعي ووفاء للذاكرة الوطنية، ومحطة فارقة في مسار الجزائر الحديثة، تجدد من خلالها الدولة، عبر مؤسستها التشريعية، التزامها تجاه التاريخ وحقوق الأجيال القادمة.

وقال إن الجلسة البرلمانية المنعقدة ليست جلسة عادية، بل حدث تاريخي يناقش فيه النواب اقتراح قانون ظل مطروحًا في الساحة التشريعية لأكثر من عشرين سنة، ليصل اليوم إلى مرحلة النقاش والمصادقة خلال العهدة التشريعية التاسعة.

وأشار إلى أن اقتراح القانون، الذي أُعدّ من قبل لجنة تضم ممثلين عن مختلف الكتل البرلمانية، يتكون من خمسة فصول تشمل 27 مادة، ويؤكد أن الاستعمار الفرنسي للجزائر جريمة دولة تتحمل فرنسا مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، بالنظر إلى ما خلفه من انتهاكات جسيمة وجرائم ضد الإنسانية على مدى 132 سنة.

وبيّن رئيس المجلس الشعبي الوطني أن النص يتضمن تعدادًا لجرائم الاستعمار، من مصادرة الأراضي ونهب الثروات، إلى سياسات الإفقار والتجويع والتهميش، إضافة إلى النفي والتهجير القسري، وإنشاء المحتشدات ومعسكرات الاعتقال، وما صاحبها من تعذيب ممنهج وقتل جماعي طال ملايين الجزائريين.

وتوقف بوغالي عند التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية، معتبرًا إياها من أخطر الجرائم الاستعمارية، لما خلّفته من آثار صحية وبيئية مستمرة لا تزال تعاني منها أجيال متعاقبة، مؤكدًا أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا تقبل النسيان.

إقرار تدابير جزائية تُجرّم تمجيد الاستعمار أو الترويج له

وأوضح أن اقتراح القانون لا يستهدف شعبًا بعينه ولا يهدف إلى الانتقام أو تأجيج الأحقاد، بل ينطلق من مبدأ قانوني وإنساني مفاده أن الجرائم ضد الإنسانية لا تُمحى بالصمت ولا تُبرَّر بالقوة، وأن المصالحة الحقيقية لا تُبنى إلا على الاعتراف والاعتذار والإنصاف.

وأضاف أن النص يقترح آليات للمطالبة بالاعتراف الكامل بالمسؤولية القانونية والاعتذار الرسمي، إلى جانب رد الاعتبار المادي والمعنوي، وإقرار تدابير جزائية تُجرّم تمجيد الاستعمار أو الترويج له.

وأشاد بالجهود التي بذلها نواب المجلس الشعبي الوطني في العهدة الحالية والعهدات السابقة، الذين واصلوا طرح هذا الملف بإصرار ووعي تاريخي، معتبرًا أن هذا المسعى يعكس نضجًا سياسيًا وإدراكًا لدور المؤسسة التشريعية بوصفها ضمير الأمة وحارسة ذاكرتها.

كما وجه تحية اعتزاز إلى الشعب الجزائري، صاحب الحق وحارس الذاكرة الوطنية، مؤكدًا أن القانون يُعد ثمرة من ثمار نضاله الطويل دفاعًا عن السيادة والكرامة، وأن استحضار الماضي يهدف إلى الانطلاق منه بثقة نحو بناء دولة قوية بذاكرتها، متصالحة مع تاريخها، وواثقة في مستقبلها.

وختم بوغالي بالتأكيد على أن الجزائر، وهي تخطو هذه الخطوة، تجدد التزامها بعلاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والندية، مع رفضها القاطع لأي محاولة لطمس الحقائق أو إنكار الجرائم، مشددًا على أن تجريم الاستعمار ليس استدعاءً للماضي بقدر ما هو عهد موجّه إلى المستقبل وحماية لحقوق الأجيال القادمة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى