أخلاقيات الإعلام في الجزائر.. مؤسسات رسمية غائبة.. ومبادرات مهنية مرفوضة!

القنوات الخاصة الجزائرتثار تساؤلات كثيرة عن طريقة عمل سلطة ضبط السمعي البصري في الجزائر والمعايير التي تعتمدها، حيث توجه إليها في كل مرة انتقادات حول ما يصفه متابعون بـ”الانتقائية” في تعاطيها مع مختلف القضايا المتعلقة بعمل وسائل الإعلام، ونتحدث هنا عن القنوات الخاصة بما أن العمومية منها لا يمكن توقيفها بأي حال من الأحوال إن ارتكبت خطأ معينا.


أيمـن السامـرائي


في فصل جديد من هذا الجدل، أمرت سلطة ضبط السمعي البصري بتوقيف أربع قنوات خاصة عن البث لمدة 48 ساعة، والسبب، حسب وصفها، هو “وقوع إخلالات مهنية فادحة تمثلت خصوصا في استجواب جرحى داخل مرافق الاستعجالات والإنعاش، وملاحقة أهالي الضحايا في لحظات الصدمة…”.

ويعيد هذا الأمر الجدل حول واقع أخلاقيات المهنة الصحفية في الجزائر وطريقة عمل سلطة ضبط السمعي البصري ومعاييرها، بما أن نفس المواد الإعلامية التي تحدث عنها بيانها، بثها التلفزيون العمومي، وقناة “النهار” التي أصبحت ملكا للدولة بعد تأميمها من طرف المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، دون أن يطالهما قرار سلطة الضبط، وهذا دون الحديث عن عشرات المواقع الالكترونية، ما أثار موجة تساؤلات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ طالبت بتطبيق “معايير سلطة الضبط” على الجميع بلا استثناء.

رفض المبادرات المهنية.. وفرض الوصاية

برزت في الفترة الأخيرة، مبادرة من بعض التنظيمات والنقابات الإعلامية تدعو إلى إعداد ميثاق وطني لأخلاقيات المهنة، كخطوة نحو إعادة ترتيب البيت الداخلي للصحفيين وتنظيم علاقتهم مع الجمهور، الدولة، والمؤسسات الإعلامية.

غير أن هذه المبادرة قوبلت ببيان صادر عن سلطة ضبط السمعي البصري، تؤكد فيه أن إعداد واعتماد ميثاق وطني هو اختصاص حصري للهيئات القانونية، محذّرة من “تجاوز الصلاحيات”.

وفي ذات الوقت، لا تزال الهيئة الرسمية الوحيدة التي تعنى بمجال الأخلاقيات المهنية، وهي المجلس الأعلى لآداب وأخلاقيات مهنة الصحفي، غائبة عن المشهد، رغم أن مرسوم إنشائها صدر في أكتوبر 2024.. ومن هنا تطرح أسئلة عميقة حول الفهم المؤسسي لأخلاقيات المهنة في الجزائر، وموقع الصحفيين من عملية تنظيم أنفسهم.

من المفترض أن تُرحّب الحكومة بهذه المبادرات، وتُشرك أصحابها في إعداد الصيغة النهائية للميثاق الوطني، لا أن تنزع عنهم الشرعية لمجرد أنهم تحركوا أولا.

منذ سنوات، تعيش مهنة الصحافة في الجزائر فراغا أخلاقيا ومؤسساتيا… لا يوجد ميثاق وطني فعّال لأخلاقيات المهنة، ولا مجلس مستقل نشط يتابع الانزلاقات المهنية، ولا مسارات واضحة للرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية.

في هذا السياق، تم إصدار مرسوم رئاسي سنة 2024 ينشئ مجلسا أعلى مستقلا يُفترض أن يتولى هذه المهام، وعلى رأسها: إعداد الميثاق، مراقبة تطبيقه، الفصل في الخروقات، وتنظيم التكوينات. ومع ذلك، وبعد قرابة عام من صدور المرسوم، لم يرَ أي ميثاق النور، ولم تُسجَّل أي مساهمة واضحة للمجلس في الساحة الإعلامية.

في المقابل، حين تحاول النقابات والممارسون سدّ هذا الفراغ بمبادرات ذاتية مهنية، تُواجَه بالرفض أو التقييد، بحجة غياب الصلاحيات القانونية.

ويعكس هذا التناقض خللا بنيويا؛ فمن جهة، لا تتحرك المؤسسة الرسمية المكلفة، ومن جهة أخرى، تُرفض المبادرات المهنية المستقلة التي تسعى لترميم المشهد الأخلاقي من الداخل.

تجارب دولية في التنظيم المهني

في أغلب الديمقراطيات الناضجة، يُنظر إلى أخلاقيات المهنة بوصفها نظاما ذاتيا ينشأ من داخل الحقل الإعلامي، لا بوصفها سلطة مفروضة من الأعلى.. ففي بريطانيا، تمتلك نقابة الصحفيين الوطنية (NUJ) ميثاق شرف خاصا بها، يُعتمد طوعا، ويُطبّق على أعضائها دون تدخل حكومي. وفي ألمانيا، يوجد مجلس الصحافة  (Presserat)، وهو هيئة مستقلة وغير حكومية، أصدر ميثاقا طوعيا للأخلاقيات، وتُشارك فيه النقابات، دور النشر، وجمعيات الصحفيين.

أما المجلس الفرنسي لأخلاقيات الصحافة  (CDJM)، يتكوّن من فاعلين مهنيين، ولا يخضع لرقابة الدولة، ويهدف إلى معالجة التجاوزات بآليات الحوار والمسؤولية المهنية.

وفي تونس أيضا، أعدت نقابة الصحفيين ميثاقا طوعيا يُطبّق على أعضائها ويُستخدم كمرجع في تقييم الممارسات المهنية. وفي كل هذه التجارب، تُعد النقابات والصحفيون شركاء أصيلين في صياغة أخلاقيات المهنة، لا متهمين بمحاولة “تجاوز الصلاحيات”.

النقابات ليست بديلا عن الدولة.. لكنها ليست تابعة لها

الخلط بين سلطة الدولة التنظيمية والحق المهني في التنظيم الذاتي يُعد من أكبر الإشكالات في المشهد الإعلامي الجزائري، فحين تصدر نقابة أو مجموعة من الصحفيين ميثاقا، فهي لا تفرض قانونا عاما، بل تقدم مرجعا أخلاقيا لأعضائها ومحيطها المهني، وهذا لا يُلغي دور الدولة، بل يدعم دورها في بناء بيئة مهنية مسؤولة.

ومن المفترض أن تُرحّب الحكومة بهذه المبادرات، وتُشرك أصحابها في إعداد الصيغة النهائية للميثاق الوطني، لا أن تنزع عنهم الشرعية لمجرد أنهم تحركوا أولا.

منذ سنوات، تعيش مهنة الصحافة في الجزائر فراغا أخلاقيا ومؤسساتيا… لا يوجد ميثاق وطني فعّال لأخلاقيات المهنة، ولا مجلس مستقل نشط يتابع الانزلاقات المهنية، ولا مسارات واضحة للرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية.

الصحافة الجزائرية اليوم في حاجة ماسة إلى أخلاقيات مهنية حيّة، تواكب التغيرات الرقمية والسياسية والمجتمعية، لا إلى مواثيق بيروقراطية.. وحتى يكتسب الميثاق المرتقب شرعيته، لا بد أن ينبثق عن، نقاش وطني تشاركي، يضم الصحفيين، النقابات، الناشرين، وأكاديميين، مع احترام المبادرات النقابية والمجتمعية التي تسعى لتنظيم المهنة ذاتيا.

كما يتوجب تفعيل المجلس الأعلى لأخلاقيات المهنة بشكل شفاف، وتقييم أدائه دوريا.. بعيدا عن المفارقة الكبيرة التي نعيشها اليوم.. فالحديث عن أخلاقيات المهنة يأتي غالبا من خارج المهنة نفسها، وأن الهيئات الرسمية التي مُنحت صلاحيات تنظيم هذا الجانب، لم تفعّلها بعد. وفي هذا الفراغ، لا تصح محاربة المبادرات النقابية أو المستقلة، بل يجب دعمها وتحفيزها، لأنها تعبّر عن حيوية المهنة، وعن سعي الصحفيين الحقيقي لاستعادة ثقة الجمهور وضبط معايير الأداء.. وفي النهاية ليست أخلاقيات الصحافة قرارا سياسيا، بل عقد شرف بين المهنيين والمجتمع.


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى