الوزير الأول: الجزائر تتجه نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للتمويل المناخي وأسواق الكربون
غريب يؤكد ضرورة تعبئة الاستثمارات وتعزيز الحوكمة المناخية مع الحفاظ على أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد الوطني

وأشار غريب إلى أن الجزائر كرست التزامها بالعمل المناخي ضمن رؤية استراتيجية توفق بين متطلبات التنمية الوطنية والمسؤوليات البيئية، من خلال إدراج قضية تغير المناخ في دستور 2020، وإقرار الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر سنة 2023، فضلا عن إيداع وثيقة المساهمة المحددة وطنيا المحينة لدى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ خلال شهر أوت الماضي، والعمل على إعداد الخطة الوطنية للتكيف مع التغير المناخي.
وفي هذا السياق، اعتبر الوزير الأول أن التحولات المناخية والطاقوية التي يشهدها العالم تمثل تحديا وفرصة في الوقت ذاته، بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانات لإعادة تشكيل منظومات الطاقة والإنتاج والاستثمار، وفتح المجال أمام تطوير صناعات وتكنولوجيات جديدة.
خفض الانبعاثات بنسبة 14 بالمائة في آفاق 2035
وبخصوص الالتزامات المناخية للجزائر، كشف غريب أن المساهمة المحددة وطنيا تتضمن التزاما بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 14 بالمائة في آفاق سنة 2035، مع إمكانية رفع هذه النسبة إلى 31 بالمائة في حال توفر الدعم الدولي اللازم.
وأكد أن الطموحات الاستثمارية للجزائر في هذا المجال تستهدف تسريع الانتقال الطاقوي وتعزيز القدرة على الصمود أمام آثار التغيرات المناخية، بما يضمن انتقالا مناخيا عادلا ومتوازنا يراعي ضرورات التنمية الوطنية.
وشدد في المقابل على ضرورة اعتماد مقاربة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الجزائر باعتبارها دولة منتجة ومصدرة للمحروقات، وتمتلك منظومة طاقوية وصناعية وخبرات متراكمة يمكن توظيفها في مسار التحول، مع ضمان الانتقال التدريجي والمدروس، والحفاظ على أمن الطاقة واستقرار الاقتصاد الوطني.
أسواق الكربون.. فرصة اقتصادية واستثمارية جديدة
وفيما يتعلق بتطوير أسواق الكربون، أكد الوزير الأول أن هذا المجال يتطلب رؤية استباقية وفهما دقيقا لقواعده وآلياته، إلى جانب وضع أطر تنظيمية ومؤسساتية وتقنية تضمن الشفافية والنزاهة وحماية المصالح الوطنية.
وأوضح أن سوق الكربون لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أداة للامتثال للالتزامات المناخية، بل مجالا اقتصاديا جديدا قادرا على استقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة، من خلال تشجيع المشاريع التي تحقق تخفيضات حقيقية وقابلة للقياس في انبعاثات الغازات الدفيئة.
كما أبرز أهمية التحضير المؤسساتي والتقني لمشاركة الجزائر في الآليات الدولية المنصوص عليها في المادة السادسة من اتفاق باريس، بما يضمن النزاهة البيئية ويمنع الازدواج في احتساب تخفيضات الانبعاثات، مع تحديد قواعد اعتماد المشاريع وملكية وحدات الكربون وتسجيلها وتتبعها.
ودعا في هذا الإطار إلى تطوير آليات للضمان وتقاسم المخاطر، بما يسمح باستقطاب رؤوس الأموال الخاصة وتعزيز التكامل بين التمويل العمومي والتمويل الدولي.
سوناطراك وسونلغاز في صلب مسار إزالة الكربون
وفي معرض حديثه عن الجهود الوطنية في مجال الانتقال الطاقوي، أكد غريب أن التحول المناخي يرتبط ارتباطا وثيقا بالتحول الاقتصادي والتكنولوجي، مشيرا إلى الدور المحوري الذي تؤديه المؤسسات الاقتصادية الوطنية، وفي مقدمتها مجمعا سوناطراك وسونلغاز، في تجسيد هذا المسار.
وأوضح أن هذه الجهود تشمل تنفيذ برنامج تطوير الطاقة الشمسية، باعتباره أحد المكونات الأساسية لإزالة الكربون من المزيج الطاقوي الوطني، إلى جانب خفض الانبعاثات من خلال القضاء على الحرق الروتيني للغاز، والسعي إلى بلوغ هدف صفر انبعاثات غاز الميثان بحلول سنة 2030.

كما تشمل الأولويات الوطنية ترقية الفعالية الطاقوية، وتطوير تقنيات التقاط الكربون، وتعزيز الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، بما يدعم تنويع الاقتصاد الوطني ويعزز استدامة المنظومة الطاقوية.
دعوة إلى إشراك القطاع الخاص وتعزيز التمويل الدولي
وأكد الوزير الأول أن بناء منظومة وطنية فعالة للتمويل المناخي يستدعي تضافر جهود مختلف القطاعات والمؤسسات الاقتصادية والمالية، إلى جانب الجامعات ومراكز البحث والخبرات الدولية، مع ضرورة إرساء آلية تنسيق فعالة تضمن انسجام السياسات العمومية ذات الصلة.
كما شدد على أهمية توسيع مشاركة القطاع الخاص الوطني في تمويل المشاريع المناخية، وتهيئة الظروف المناسبة أمام البنوك والمؤسسات المالية الوطنية للمساهمة في هذا المسار، بالتوازي مع استقطاب التمويلات والاستثمارات الخارجية.
وفي السياق ذاته، دعا إلى تطوير القدرات الوطنية في مجال القياس والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الغازات الدفيئة، وتعزيز المنظومة المؤسساتية والتنظيمية، بما يسمح بإعداد محفظة وطنية متناسقة من المشاريع المناخية، واضحة الأهداف والأولويات وقابلة للقياس والتمويل.
وعلى الصعيد الدولي، أكد غريب تمسك الجزائر بمقاربة عادلة ومتوازنة في معالجة قضايا المناخ، تراعي خصوصيات الدول وحقها في التنمية، مع الدفاع عن مصالح الدول النامية والمنتجة للطاقة، وتعزيز حضورها في المفاوضات الدولية المتعلقة بالتمويل المناخي وأسواق الكربون.
وجدد في هذا الصدد تمسك الجزائر بمبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة، داعيا إلى تعزيز التعاون الدولي، خصوصا في مجالات التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.
كما دعا آليات التمويل الدولية، وفي مقدمتها الصندوق الأخضر للمناخ، إلى الاضطلاع بدور أكثر فعالية واستجابة لاحتياجات الدول النامية، من خلال تبسيط إجراءات الوصول إلى التمويل، وتعزيز المنح والتمويلات الميسرة، وتوفير الضمانات الاستثمارية الضرورية، فضلا عن دعم نقل التكنولوجيا.
توصيات عملية لبناء إطار وطني للتمويل المناخي
وفي ختام كلمته، أعرب الوزير الأول عن تطلعه إلى أن تشكل الورشة الوطنية محطة علمية لتبادل الخبرات والآراء، والخروج بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ، من شأنها الإسهام في بلورة قاعدة قانونية موحدة وأدوات عملياتية شفافة، تمهد لإرساء إطار وطني فعال للتمويل المناخي وأسواق الكربون.
وأكد أن نجاح هذا المسار سيقاس بمدى القدرة على تحويل الاستراتيجيات والالتزامات إلى استثمارات ومشاريع ملموسة في مجالات خفض الانبعاثات والتكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز المرونة الاقتصادية والبيئية، مع الحفاظ على ديناميكية التنمية الوطنية.
ودعا في هذا الإطار المؤسسات الوطنية والخبراء والشركاء الدوليين المشاركين إلى استثمار أشغال الورشة في صياغة مقترحات عملية وواقعية، تسهم في بناء منظومة وطنية متكاملة ومستدامة للتمويل المناخي وأسواق الكربون.




