المغرب.. احتقان اجتماعي وتصاعد الاحتجاجات حول التطبيع والسياسات الداخلية

يتسع في المغرب، يومًا بعد يوم، ما يبدو أنه فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي، الذي يركز على ما تصفه السلطات بالإنجازات ومشروع «الدولة الاجتماعية»، وبين واقع اجتماعي واقتصادي يثير، في المقابل، انتقادات واسعة داخل البلاد، في ظل أزمات متراكمة دفعت شرائح من المواطنين، ولا سيما الشباب، إلى الخروج في احتجاجات للمطالبة بتحسين ظروف المعيشة ومحاربة الفساد وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وبعد مرور سنوات على زلزال الحوز، لا تزال قضية إعادة إسكان المتضررين ومعالجة تداعيات الكارثة حاضرة في المشهد المغربي، وسط شكاوى وتساؤلات بشأن وتيرة معالجة أوضاع الأسر المتضررة ومدى استفادتها من برامج إعادة الإعمار. وفي المقابل، يثير تنامي العلاقات المغربية مع إسرائيل، وخاصة في المجالات الاقتصادية والعقارية، جدلًا واسعًا داخل المجتمع، في ظل اعتراضات على ما يعتبره منتقدون مسارًا متسارعًا نحو تعميق التطبيع.
وفي الجانب الاجتماعي والاقتصادي، يواجه المواطن المغربي ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار والسكن، الأمر الذي يعمق الإحساس بالفجوة بين الوعود والسياسات المعلنة وبين تفاصيل الحياة اليومية لقطاعات واسعة من المجتمع. وتزداد حدة هذه الضغوط في ظل اتساع النقاش حول البطالة، والفوارق الاجتماعية، والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

ومع تصاعد الاحتجاجات، يبرز الشباب باعتباره أحد أكثر الفئات تعبيرًا عن حالة الاستياء، مطالبين بفرص عمل أفضل، وخدمات عمومية أكثر كفاءة، وظروف معيشية تضمن قدرًا أكبر من الكرامة والاستقرار. وفي المقابل، تواجه بعض التحركات الاحتجاجية إجراءات أمنية أثارت انتقادات من منظمات وفعاليات حقوقية، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود الحريات العامة وحق المواطنين في الاحتجاج والتعبير.
أما الانتخابات البرلمانية، التي يفترض أن تشكل إحدى الآليات الأساسية للتغيير السياسي، فتواجه بدورها انتقادات تتعلق بمدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في السياسات العامة. ويطرح هذا الواقع جملة من الأسئلة التي تتكرر في النقاش العام: ما مدى نجاعة البرامج والمشاريع المعلنة؟ وكيف تُدار الميزانيات العمومية؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات حين لا تحقق السياسات المعلنة أهدافها؟
كما يثير موضوع مشاركة المواطنين المغاربة المقيمين في الخارج، إضافة إلى النقاش حول حضور اليهود المغاربة في الحياة السياسية والانتخابية، جدلًا سياسيًا متزايدًا، خصوصًا في ظل حساسية ملف العلاقات المغربية الإسرائيلية. ويرى منتقدو هذا المسار أن توسيع حضور إسرائيل وشبكاتها داخل مختلف المجالات المغربية يتجاوز البعد الدبلوماسي ليطرح أسئلة بشأن تداعياته السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتبقى العلاقات المغربية الإسرائيلية من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل المجتمع المغربي، خصوصًا في ظل الحرب الدائرة في غزة وما رافقها من انتقادات دولية واسعة للعمليات العسكرية الإسرائيلية، فضلًا عن تنامي الأصوات المغربية الرافضة للتطبيع. ويضع هذا الملف السلطات المغربية أمام معادلة دقيقة بين التزاماتها وشراكاتها الخارجية وبين المزاج الشعبي الرافض لتوسيع نطاق العلاقات مع إسرائيل.
وفي ضوء هذه المعطيات، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: إلى أين يتجه المغرب؟
إن أي تغيير حقيقي لا يبدو مرتبطًا بمجرد استبدال الأشخاص والوجوه، بقدر ما يرتبط بإعادة النظر في آليات صناعة القرار، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطن محورًا أساسيًا للسياسات العامة.

فالتحدي الذي يواجه المغرب اليوم لا يتعلق فقط بتغيير النخب أو الحكومات، وإنما بمدى القدرة على معالجة الاختلالات البنيوية التي تغذي الاحتقان الاجتماعي وتعمق فقدان الثقة.
والمطلوب، في نهاية المطاف، برأي مراقبين، ليس تغيير الوجوه فحسب، بل تغيير السياسات والواقع؛ وليس الارتهان للتجاذبات والمصالح الخارجية، بل ضمان أن تكون مصالح المواطن المغربي وحقوقه وكرامته ومستقبله في صدارة الأولويات.




