هدوء حذر في فرنسا تحت حظر التجول والحكومة تستعد لموجة احتجاجات جديدة السبت

وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن إجراءات حظر التجول ساهمت في الحفاظ على الهدوء خلال الليلة الماضية، مشيرا إلى إمكانية تمديدها في المناطق التي تستدعي الأوضاع فيها ذلك. وتسعى الحكومة، في أعقاب الاضطرابات، إلى استعادة النظام العام ومعالجة الثغرات الأمنية التي سمحت بوقوع أعمال نهب وتخريب في مدن كبرى، بينها باريس ومارسيليا وليون.
وتوسعت موجة الاحتجاجات، التي انطلقت على خلفية إضرابات طلاب المدارس الثانوية والمطالب بتحسين الخدمات التعليمية، لتشمل حالة من الغضب الشعبي إزاء ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات العامة، خصوصا في قطاعات الصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة من المشهد السياسي الفرنسي، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل ومايو المقبلين، وسط تصاعد التوتر بين التيارات السياسية، في وقت يتبادل فيه المسؤولون والمعارضون الاتهامات بشأن أسباب الاضطرابات وسبل احتوائها.
اعتقالات واسعة وتشديد الإجراءات الأمنية
وفي إطار الإجراءات المتخذة لاحتواء الوضع، قال وزير العدل جيرالد دارمانان إن 123 شخصا أُلقي القبض عليهم منذ بدء الاحتجاجات، وما زالوا رهن الاحتجاز في انتظار المحاكمة، فيما أشار في ظهور تلفزيوني منفصل إلى أن نحو 2500 شخص لا يزالون قيد الاحتجاز للاستجواب.
وكانت السلطات قد فرضت حظر تجول جزئيا في مناطق من باريس ومدن أخرى، من بينها ليل ونيس، مع اتخاذ تدابير إضافية شملت تقييد التظاهرات في بعض المناطق وحظر التجول الليلي للقاصرين في عدد من البلديات.
واستبعد لوكورنو فرض حظر تجول شامل في باريس، لكنه لم يستبعد اللجوء إلى إجراءات استثنائية، مؤكدا أن استعادة النظام تمثل أولوية للحكومة.
وفي سياق متصل، أعلن مكتب الرئيس إيمانويل ماكرون رفض عرض وزير الداخلية لوران نونيز الاستقالة، مع مطالبته بالعمل على وقف أعمال النهب والتخريب وتوضيح أوجه القصور الأمني التي رافقت الاضطرابات.
المتاجر المتضررة والشرطة تحت الضغط
وكشفت الاضطرابات عن حجم الأضرار التي لحقت بالأنشطة التجارية، إذ أفاد اتحاد التجارة والتجزئة بتضرر ما يقرب من ثلاثة آلاف متجر خلال أعمال الشغب، داعيا إلى اتخاذ تدابير لدعم المؤسسات المتضررة، بما في ذلك إعفاءات من بعض الاشتراكات والضرائب.
من جهته، أعلن لوكورنو أن الحكومة ستتخذ إجراءات إعفاء مؤقتة لفائدة الشركات المتضررة، في محاولة للحد من التداعيات الاقتصادية للأحداث.
وكانت وزارة الداخلية قد أفادت باعتقال نحو 2400 شخص خلال الاضطرابات، فيما توفي أحد المتظاهرين إثر سكتة قلبية يوم السبت، وأصيب قرابة ألف من أفراد الشرطة، وفق الأرقام الواردة في تقارير رويترز السابقة بشأن الأحداث.
كما أقر وزير الداخلية بأن نشر نحو 60 ألفا من أفراد الشرطة وقوات الأمن الأخرى يوم السبت لم يكن كافيا للسيطرة على الحشود التي تحولت بعض تجمعاتها إلى أعمال عنف.
الطلاب والسترات الصفراء يستعدون للتحرك مجددا
ورغم الهدوء الذي شهدته المدن خلال الليل، تواجه الحكومة اختبارا جديدا السبت المقبل، مع إعلان الاتحاد الوطني للطلاب الفرنسيين عزمه مواصلة الاحتجاجات والضغط على الرئيس والحكومة من أجل إصلاح ما يصفه المحتجون بالنظام التعليمي المتهالك الذي يعاني نقص التمويل.
وفي موازاة التحركات الطلابية، دعت مجموعات من حركة السترات الصفراء إلى تنظيم احتجاجات متفرقة ضد ارتفاع أسعار الوقود، ما يفتح المجال أمام اتساع رقعة التحركات الاجتماعية خلال الأيام المقبلة.
وكانت نقابات فرنسية قد دعت، في وقت سابق، إلى تنظيم جولة جديدة من الإضرابات والمسيرات في الخامس من نوفمبر المقبل، في مؤشر على استمرار حالة الاحتقان الاجتماعي.
اتهامات سياسية متبادلة قبل الانتخابات الرئاسية
واتهم لوكورنو جماعات من اليسار المتطرف بالوقوف وراء أعمال العنف، معتبرا أن أطرافا تسعى إلى إثارة اضطرابات واسعة في البلاد قبل الانتخابات الرئاسية.
في المقابل، طالب جان لوك ميلينشون، المرشح الرئاسي عن اليسار المتطرف، رئيس الوزراء بتقديم أدلة تدعم اتهاماته، داعيا إياه إلى الاعتذار إذا لم يتمكن من إثباتها.
وتعكس هذه المواجهة اتساع الانقسام السياسي المحيط بالاحتجاجات، التي لم تعد تقتصر على المطالب التعليمية، بل باتت مرتبطة أيضا بالأوضاع الاقتصادية والضغوط التي تواجه الأسر والشركات نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويمنح الهدوء النسبي السلطات فرصة لإعادة تقييم التدابير الأمنية قبل الاحتجاجات المرتقبة، غير أن استمرار الدعوات إلى التظاهر يضع الحكومة أمام تحد مزدوج يتمثل في ضمان الأمن العام والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية.
وفي ظل استمرار التوتر، تتجه الأنظار إلى تحركات السبت المقبل، التي ستختبر قدرة السلطات على احتواء الاحتجاجات ومنع تجدد أعمال العنف، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاجتماعية على الحكومة الفرنسية.




