المتملقون.. أقنعة العلاقات في بيئة العمل

في بيئة العمل، كما في الحياة، لا تسير العلاقات دائما على سكة المشاعر الخالصة، بل كثيرا ما تتحرك وفق منطق الموقع والوظيفة والحاجة اليومية. وما إن تتغير المواقع حتى تتغير معها خرائط الاهتمام والتحية والاتصال، فيكتشف الإنسان فجأة أن كثيرا من الأصوات التي كانت تملأ يومه لم تكن تتحدث إليه بقدر ما كانت تتحدث إلى المنصب الذي يشغله.
جيـلالـي بن حــاج
في المكاتب والإدارات، يبدو المشهد أحيانا دافئا ومطمئنا؛ تحيات صباحية لا تنقطع، رسائل مجاملة، تهان في الأعياد، اتصالات متكررة.. وحرص ظاهر على إبقاء خيط التواصل قائما. غير أن هذه الصورة التي تبدو إنسانية بالكامل تحمل في داخلها جانبا آخر أكثر واقعية: جزء معتبر من العلاقات المهنية هو ابن الظرف، لا ابن الوفاء.
حين يكون الإنسان مسؤولا، أو صاحب قرار، أو حتى مجرد عنصر مؤثر في سير العمل، يصبح مركزا لحركة اجتماعية واسعة. الجميع يمرون من حوله، والجميع يحرصون على إظهار الود، لأن السلطة مهما كانت محدودة تخلق هالة اجتماعية تلقائية. فالمنصب لا يمنح النفوذ الإداري فقط، بل أيضا حضورا نفسيا داخل الجماعة. يصبح الشخص مرئيا أكثر، مطلوبا أكثر، ومحل اهتمام أكبر.
لكن المفارقة القاسية تبدأ عندما تتغير المهام، أو يغادر الإنسان منصبه، أو ينتقل إلى دائرة أقل تأثيرا، هنا يحدث التحول الصامت. تتراجع التحيات، تقل الرسائل، تختفي تهاني الأعياد، وينطفئ ذلك الحضور الاجتماعي الذي كان يبدو ثابتا. والأشد وقعا أن بعض الأشخاص الذين كانوا يملؤون الهاتف بالمراسلات اليومية يتحولون فجأة إلى غرباء صامتين، كأن شيئا لم يكن.
كانت السلطة المنبعثة من المنصب تضفي على صاحبها هالة من الحضور الطاغي. الجميع يحرص على إلقاء التحية، والجميع يبحث عن ود عابر، متوهمين أن هذه الحميمية اللحظية هي رصيد إنساني متين. لكن الحقيقة كانت تقبع بصمت خلف تلك الجدران: لقد كانوا يتحدثون إلى الكرسي، لا إلى الجالس عليه.
لا شيء يصدمنا أكثر من سقوط الأقنعة.. هذه العبارة، رغم بساطتها، تختصر صدمة الإنسان عندما يكتشف أن كثيرا من العلاقات التي ظنها ثابتة لم تكن سوى علاقات مرتبطة بالحضور اليومي أو بالمصلحة أو بالموقع الإداري. فالبعض لا يقترب من الأشخاص، بل يقترب من الضوء المحيط بهم. وعندما يخفت الضوء، ينسحب بهدوء دون ضجيج.
هذا التحول لا يكشف فقط طبيعة الآخرين، بل يكشف طبيعة العلاقات المهنية نفسها. فالكثير من التواصل داخل بيئة العمل ليس علاقة شخصية كاملة، وإنما نوع من “التعايش الوظيفي”. الناس يتحدثون لأنهم يلتقون يوميا، ويتبادلون المجاملات لأن المؤسسة تفرض إيقاعا اجتماعيا معينا، لا لأن روابط عميقة قد تشكلت فعلا بينهم.
ولذلك، عندما تأتي العطل، أو يغيب الاحتكاك اليومي، أو يخرج أحد الأطراف من دائرة التأثير، تعود كل علاقة إلى حجمها الحقيقي. من كان يعتبرك جزءا من حياته سيبقى، ولو برسالة قصيرة في مناسبة. أما من كان يتعامل معك ضمن إطار الضرورة المهنية فقط، فسيتلاشى حضوره تلقائيا دون خصومة أو حتى شعور بالذنب.
وقد فهم أرسطو هذه الطبيعة البشرية منذ قرون طويلة عندما تحدث عن أنواع الصداقة، فميز بين “صداقة المنفعة” و”صداقة الفضيلة”. الأولى تقوم على المصلحة المتبادلة، وتنتهي غالبا بانتهاء السبب الذي جمع الطرفين، أما الثانية فتقوم على التقدير الإنساني الحقيقي، ولذلك تكون أندر وأبقى.
وفي بيئات العمل تحديدا، تسود غالبا علاقات المنفعة أو الاعتياد اليومي؛ فالتواصل المستمر، والتحية المتكررة، ورسائل المناسبات، قد تكون جزءا من النظام الاجتماعي للمؤسسة أكثر مما هي تعبير عن علاقة شخصية عميقة. ولهذا يكتشف كثير من الناس، بعد انتقالهم من مناصبهم أو تغير مواقعهم، أن الدائرة التي كانت تبدو واسعة قد تقلصت فجأة إلى عدد محدود جدا من الأشخاص.
الحقيقة كانت تقبع بصمت خلف تلك الجدران: لقد كانوا يتحدثون إلى الكرسي، لا إلى الجالس عليه..
المشكلة أن الإنسان غالبا لا ينتبه إلى هذا الفرق إلا متأخرا. فمع التكرار اليومي للتحيات والاتصالات، يتولد شعور داخلي بأن هناك شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية حوله، بينما الحقيقة أن جزءا كبيرا منها مرتبط بسياق مؤقت. وحين ينتهي ذلك السياق، تظهر العزلة فجأة بصورة صادمة.
غير أن هذه التجارب، تمنح الإنسان قدرا كبيرا من النضج. فهي تعيد تعريف معنى القرب الحقيقي، وتجعله أقل انخداعا بالمظاهر الاجتماعية التي تصنعها المناصب والأدوار الرسمية. كما تدفعه إلى تقدير الأشخاص القلائل الذين يبقون حاضرين حتى بعد انطفاء الامتيازات وزوال النفوذ.
بيئة العمل بطبيعتها تفرض نوعا من “التعايش الإجباري”. نحن نبتسم ونجامل لأننا نلتقي كل صباح، وهذه في النهاية مجرد علاقات تفرضها الجدران وتديرها لغة المصالح، وتنقضي بانقضائها.
وفي النهاية، قد يكتشف الإنسان أن “القدر الحقيقي” لا يكمن في عدد الذين يحيونه كل صباح داخل المكاتب، ولا في كثرة الرسائل التي تصله أيام المسؤولية، بل في أولئك الذين يتذكرونه عندما يغيب، ويسألون عنه حين لا تكون لديهم أي حاجة إليه. هناك فقط، تسقط الأقنعة فعلا، وتظهر حقيقة العلاقات كما هي.

