الكاتب محمد شولي: وزارة الشؤون الدينية لم تحارب الفتاوى المتطرفة في سنوات الإرهاب

الكاتب محمد شولي
الكاتب محمد شولي

روايتي “القلم في الجرح” تكشف أسباب قتل الصحفيين في “العشرية السوداء”

كانوا يحرضون على قتل الصحفيين في المساجد دون أن يوقفهم أحد

ربيع الجزائر حدث سنة 88، ولو كنا نجاور إسرائيل لكان حالنا مثل سوريا الآن

يخوض الكاتب والإعلامي محمد شولي في العديد من القضايا السياسية والفكرية والدينية، وواقع الحركة الإسلامية الجزائرية بداية سنوات التسعينات، ويقدم مضمون روايته الجديدة “القلم على الجرح”، فيقول إن حاول رسم صورة عن عمل الإعلاميين الجزائريين سنوات الإرهاب، وأسباب استهداف المثقفين والفنانين في تلك الفترة الدامية، متسائلا بين هذا وذاك “ماذا استفدنا من 200 ألف قتيل؟”..

حاوره/ أيمن السامرائي

تعود بعمل أدبي ثالث يحمل عنوان “القلم في الجرح”، وذلك بعد مسيرة أربعين عاما في الإعلام.. حدثنا عن هذه التجربة واسم الرواية تحديدا؟

بداية نتذكر سويا الصحفي الفرنسي الشهير “آلبير لوندر” الذي أوجد الصحافة الحديثة ويعد من رواد فن “الروبورتاج” في العالم وكتب أروع الأعمال، كما أن أول من كتب عن معتقلي “كاليدونيا الجديدة”، وهناك الآن في فرنسا جائزتان إعلاميتان تحملان اسمه، ويقول هذا الكاتب “نحن لسنا هنا لارتكاب أعمال الشر ضد الآخر، ومهنتنا هي وضع القلم على الجرح”.. ومن هناك أقول لك إن الصحفيين الجزائريين يكتبون عن كل شيء، السياسة، الفساد، الاقتصاد.. كل شيء إلا عن أنفسهم وواقع وظروف ممارستهم لمهنتهم والمشاكل التي يتعرضون لها، وهذا واقع كل الصحفيين في العالم العربي أيضا.. الصحفيون يعانون كثيرا ولا يجدون من يكتب عنهم ولا هم يفعلون ذلك، وفي هذه الرواية ببساطة، أتكلم عن هذه الفئة التي تعاني في صمت.. عن مشاكل الصحافة والصحفيين.

▪ نفهم أنك تركز على سنوات التسعينات، كونها اشتهرت باستهداف الصحفيين وقتلهم؟

الرواية لا ترتبط بحيز زمني معين أو تتناول قضية الإرهاب تحديدا، لكنها تتحدث عن مشاكل الصحفيين عموما، ورغم هذا، فأحداثها تدور في سنة 1995، وفي يوم واحد فقط.. تتحدث عن صحفي جزائري اسمه عبد المجيد واحدي، يعيش يوما في “العشرية السوداء” والقصة تبدأ يوم الثلاثاء، حيث يخرج بطل روايتي من بيته تاركا أولاده وزوجته متوجها نحو مقر عمله في الصحيفة.. يخرج ولا يدري إن كان سيعود في ظل الأحداث الأمنية المتدهورة في تلك الفترة.. كانت فترة تحمل خصوصية كبيرة، الصحفي يخرج إلى عمله، و”الإسلاميون” أيضا يتوظأون الوضوء الأكبر ويذهبون إلى عملهم أيضا وهم لا يدرون إن كانوا سيعودون للبيت في المساء.. هكذا كان حال كل الجزائريين في تلك الفترة.

▪ كيف قضى بطلك عبد المجيد يومه وماذا حدث له؟

وصل إلى جريدته بصفة عادية، وحضر اجتماع التحرير اليومي، وتعرض إلى كل المشاكل التي تواجه الجزائريين في يومياتهم كزحام المرور ومشاكل المصعد وغلاء الأسعار.. كل شيء.

▪ من هو الصحفي عبد المجيد واحدي في الواقع بعيد عن روايتك؟

هو شخصية افتراضية وواقعية في نفس الوقت ويمكن أن يكون أي شخص، فهذه القصة حقيقة وافتراضية في الآن ذاته، ذلك أن كل أحداثها وقعت في “العشرية السوداء”.. بمعنى أن القصة خيالية والوقائع حقيقية.. أنا أتكلم عن 24 ساعة في حياة البطل.. وكيف يذهب إلى عمله ويعود إلى البيت مساء، ثم يطلق عليه النار في اليوم الموالي من طرف إرهابي.

▪ من هنا.. كيف عشتم كصحفيين سنوات الإرهاب.. لماذا كنتم تقتلون؟

أعتقد جازما أن الجماعات الإرهابية المسلحة كانت تستهدف الصحفيين لسبب واحد فقط، وهو البحث عن الصدى الإعلامي الذي تخلفه تلك الجرائم، وأذكر لك على سبيل المثال أن “مجزرة بن طلحة” لم يسمع بها إعلاميا في الخارج إلا بعد ثلاثة أيام، بينما موت الصحفي، في نظر هؤلاء.. وحتى الجنازات التي تقام بعد المجازر لا يحضرها المسؤولون الرسميون إلا نادرا، في حين تجد الوزير والوالي في جنازة الصحفي، وأعطيك هنا مثالا بمقتل الصحفي إسماعيل يفصح، حيث انتشر خبر استهدافه بسرعة البرق.. بالمحصلة، كان الإرهابيون يبحثون عن الصدى الإعلامي كما قلت لك.

▪ لكن كان هناك حديث عن أن قتل الصحفيين سببه اتهامهم من طرف الجماعات الإرهابية بمساندة الدولة..

هذا غير صحيح.. هل كان اسماعيل يفصح مساندا للدولة.. كان في المعارضة.. الإرهاب كان يبحث عن المبررات للقتل وفقط. وأذكر لك هنا ما أوردته في مقدمة الرواية، حيث أتحدث عن حضوري صلاة الجمعة في سنة 1992، وكنت أستمع لإمام يتحدث إلى الناس قبل الخطبة ويصف الصحفيين بالعملاء ويسبهم ويحرض ضدهم ولا أحد تدخل وأوقفه.. كان يذكر الصحفيين اسما اسما ويذكر أيضا عناوين الجرائد التي يشتغلون فيها. أقول لك أيضا إنه حتى الصحفيون الذين كانوا يعملون في جرائد موالية لـ”الفيس” المحل قتلوا، بمعنى أن المشكل لم يكن دينيا أو سياسيا.. هو الصدى الإعلامي.

▪ هل تعرضت لمحاولة اغتيال؟

بالنسبة لي لا، لكن أذكر لك حادثة وقعت لي.. ذهبت مرة إلى المسجد، وذكرت هذا الأمر في الرواية.. جاءني شخص لا أعرفه، فقال لي “أنصحك بألا تعود إلى هنا، ماذا تأتي لتفعل”.. ومنذ ذلك اليوم لم أعد للصلاة في ذاك المسجد.

▪ من المثقفين والإعلاميون الذين قتلوا واشتغلوا معك؟

أنا عرفت أكثر الراحل الطاهر جاووت.. كان مدير التحرير في جريدة “الجزائر الأحداث” التي عملت فيها.. ولاحقا غادرها وأسس رفقة آخرين صحيفة “ريكتور”. وعملت أيضا رفقة سعيد مقبل وصحفيين كثيرين مشهود لهم بالاحترافية والكفاءة.

▪ ماهي النقاشات التي كانت تجمعك بهؤلاء في تلك الفترة؟

كنا نتحدث عن أشياء كثيرة تتعلق بالأزمة الأمنية.. فقبل سنة 1990 كانت الأمور عادية جدا، وكان رموز الحركة الإسلامية يتكلمون عبر الصحف مثل “لوريزون” و”لوسوار دالجيري” وغيرها بشكل عادي.. الأزمة أو موجة العنف اندلعت بعد تلك السنة لتتغير الموازين كلها، وبدا الوضع يتغير بشكل لافت.. لكن أقول لك الآن بعد كل ما حدث وبعد كل هذه السنوات التي مرت.. يتحدث خالد نزار عن سقوط 200 ألف قتيل.. أتساءل أنا.. لماذا؟.. في سوريا الآن هناك حرب دائرة بين نظام يرفض المغادرة والتنحي، ومعارضة تطالب برحيل بشار الأسد.. بالنسبة لنا في الجزائر أتساءل ما الذي حدث بالضبط.. لماذا قتل كل هؤلاء الناس ومن أجل ماذا.. من الذي استفاد، فالبلاد لا تزال على حالها ولم يتغير فيها شيء أو تتقدم إلى الأمام.. وفي نهاية الرواية، يطرح بطلي عبد المجيد واحدي كل هذه الأسئلة في مقال نشره عبر صحيفته.. ويتساءل أيضا عن الناس التي كان لها مسؤولية وتتبوأ مناصب دينية أو سياسية ولم تحرك ساكنا في تلك الفترة وتركت الأمور على حالها. وكتب بطلي في مقاله أيضا “ماهو الدين الذي يسمح بالقتل والتكفير.. تقول الله أكبر وتغتصب طفلة وتقتل”.. وأعتقد هنا أن اللحية والقميص ليست رمزا للإسلام والدين ليس شيئا أو رمزا خارجيا متعلقا، و”إن الله ينظر إلى قلوبكم”.

▪ هل كانت الفتاوى المتطرفة والمستوردة من الخارج من أسباب الأزمة؟

الفتاوى وأمور كثيرة أخرى، ونحن في الجزائر نعاني كثيرا من مشكل الفتاوى والمرجعية الدينية التي تعود إليها في قضايانا المختلفة، فليس لدينا جهة مختصة في هذا المجال.

▪ لكن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف لديها لجان فتوى في كل ولاية؟

بعد ماذا؟.. وزارة الشؤون الدينية لا تقوم بدورها كما يجب، وفي فترة الإرهاب لم تظهر أبدا.. لم يقوموا بشيء لمحاربة الفتاوى المتطرفة التي جعلت جيلا كاملا من الشباب يصعد إلى الجبل، وتحركها الآن ليس له معنى.. فات الأوان. أذكر لك هنا حادثة اعتقال المفطرين علنا في رمضان.. لماذا يعتقلون ويحاكمون فهم غير مقتنعين.. والمسؤول عن هذا هو وزارة الشؤون الدينية التي لم تقدم بدورها التوعوي للحفاظ على الدين الإسلامي في أنفس الناس، فكل بني آدم يولد على الفطرة، فقد يصير مسلما أو مسيحيا أو يهوديا، وذلك وفق التربية والمحيط والمجتمع والمدرسة. أنت تعلم أن جيل اليوم يقضي ثلاثة أرباع وقته في الشارع بعيدا عن الأسرة، والمسجد لا يخصص إلا للصلاة بعيدا عن دروس التوعية والتربية.. ماذا ننتظر من هذا الجيل.

▪ من أين كانت الانطلاقة الإعلامية؟

أنا من مواليد مدينة المدية، وانتقلت للعاصمة بغرض الدراسة، ولاحقا إلى فرنسا حيث درست الأدب والصحافة، وفي سنة 1970، بعد عودتي إلى الجزائر، أطلقت وكالة “نوفوستي” الروسية للأنباء مسابقة لتوظيف صحفيين يتقنون لغتين، وأنا كنت درست الروسية، وشاركت فيها رفقة جزائريين وفلسطينيي وعراقيين وتم اختياري.. كنت ابلغ من العمر حينها 26 سنة.. وقضيت فيها مدة عشر سنوات تقريبا.

▪ ماهي نوعية الأخبار التي كنتم ترسلونها؟

متنوعة.. سياسية وثقافة واقتصاد وغيرها، وعملت في فترة الراحل هواري بومدين والشاذلي بن جديد في القسم الدولي.

▪ المعروف أن المعلومة في تلك الفترة كانت تخضع لرقابة شديدة، فكيف بوكالة أجنبية.. يعني كانت العين مفتوحة عليكم كما يقال؟

لا أبدا، كنا نشتغل بكل حرية، ومل تعرض يوما للمساءلة أو من طرف السلطات الجزائرية بسبب ما نبثه من أخبار.. وأنت تعلم أن كل الجرائد في تلك الفترة كانت مملوكة للدولة، يعني هي مشتركة في الوكالة وتستطيع انتقاء الأخبار التي تريد، والخبر الذي لا يعجبها لا تنشره.

▪ إلى أين كانت الوجهة بعد الوكالة؟

عملت في نهاية السبعينات في جريدة “الشباب” التي كان يصدرها الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، وتحولت لاحقا إلى مجلة تحمل اسم “الوحدة”.. عملت كمتعاون في القسم الدولي والثقافي وأقسام أخرى أيضا. وأذكر لك رحلة قادتني إلى ليبيا في وقت الرجل الثاني في النظام الليبي عبد السلام جلول الذي قاد انقلاب الفاتح سبتمبر رفقة القذافي. أرسلتنا المجلة إلى ليبيا سنة 1982، حيث رافقنا ممثل رئيس الجمهورية بشير خلدون.. استمعنا حينها لخطاب معمر القذافي، وذكر في كلمة “طز” لأول مرة، ونحن في الخلف نضحك خفية.. وأستغرب كيف قال “طز في الأمريكان” وطائرات “الفانتوم” تحلق في الأجواء الليبية.. أعتقد أن هذا الراجل كان شخصا مجنونا ومهووسا بالديكتاتورية والسلطة، وهو ظاهرة لا تتكرر فعلا.

▪ ماذا يحدث في المنطقة العربية حاليا برأيك؟

أنا لا أومن بما يسمى “الربيع العربي” وأرى أنه مجرد محاولة لإعادة تشكيل خريطة العالم من طرف جهات ودول كبرى لا تناسبها الخريطة الموجودة حاليا.. لذا فهي تحاول جاهدة لتغيير معالم المنطقة بما يخدم مصالحها ونفوذها. أنا لا أنفي هنا إرادة الشعوب في التغيير، لكن أتصور أن الدول الكبرى تعمل على تسيير هذا التغيير بما يناسبها.

▪ كيف تنظر إلى دور قطر؟

هذه الإمارة الخليجية تصرف الملايير على المعارضة لإسقاط نظام الأسد ونشر الديمقراطية كما تقول، لكنها اعتقلت شاعرا وسجنته لأنه انتقد الأمير السابق حمد بن خليفة آل ثاني في قصيدة.. كيف لبلد يتصرف هكذا أن يتحدث عن نشر الديمقراطية في دول أخرى.. البلد الذي يمنع المرأة من قيادة السيارة كالسعودية؛ كيف يمكنه الحديث عن الديمقراطية.

▪ يقول سياسيونا إن الجزائر بعيدة عن “الربيع العربي”.. بماذا ترد؟

فكرة تغيير خريطة العالم لم تكن قد ظهرت في الثمانينات.. وربيعنا حدث سنة 88 وظروفه تختلف عما يحدث حاليا، وقد بدأ ربيعنا بناء على مطالب اجتماعية وليست سياسية، وتسيست لاحقا من خلال الحديث عن “مسمار جحا” الذي يجب أن يخلع وغيرها من التعبيرات التي تحمل إيجاءات سياسية، وأعتقد أننا لو كنا دولة تجاور إسرائيل لكان حالنا مثل ما يحدث في سوريا حاليا، يعني بالمحصلة القضية قضية مصالح دولية.

▪ لمن تقرأ؟

للكل.. والمفضل عندي هو رشيد بوجدرة، حيث قرأت كل كتبه، ولديه أسلوب متحرر من كل “الطابوهات” وصريح جدا.. وقرأت أيضا للطاهر جاووت وياسمينة خضرة ورشيد ميموني والطاهر طار وعبد الحميد بن هدوقة وآخرين.


صدر الحوار في صحيفة “البلاد” بتاريخ 1 جويلية 2013

اترك تعليقا

زر الذهاب إلى الأعلى